إذا ماتت الأم، لا يرحل شخص فقط… بل ينهار عالم كامل كان قائمًا عليها.
هي التي كنا نُكرم من أجلها، وهي التي كان وجودها يمنح الحياة معنى لا يُعوَّض.
منذ الطفولة وحتى آخر العمر، أول ما ندخل البيت نسأل: “أمي فين؟”
هذا السؤال لا يسقط مع الكِبر، ولا يلغيه الزواج، ولا تُلغيه المسؤوليات.
لأن الأم ليست مرحلة… الأم احتياج مستمر.
قال الرسول ﷺ: “أمك ثم أمك ثم أمك”…
ولم تكن هذه الكلمات تكرارًا، بل تأكيدًا على حقيقة لا تقبل الجدل:
أن الأم هي الأصل في الأمان، في الاحتواء، في التوازن النفسي.
ريحة الأم في البيت مختلفة،
ريحة طبخها مختلفة،
ووجودها نفسه مختلف…
حتى لو جاء أفضل طاهٍ في العالم، لن يستطيع أن يعوّض هذا الإحساس.
حين يُضرب الطفل، يجري إليها.
حين يحتاج شيئًا، يذهب إليها.
وحين تضيق به الدنيا، لا يطلب منها شيئًا سوى كلمة: “ادعيلي”.
فمن قال إن هذا الطفل، الذي يرتبط بها بهذا العمق،
يمكن أن يستغني عنها فجأة لأنه أتمّ تسع سنوات؟
من وضع هذا الرقم؟
وعلى أي أساس نفسي أو إنساني بُني؟
قبل أن نضع قوانين، يجب أن نفهم سيكولوجية الطفل.
يجب أن ندرك أن احتياجه للأم ليس رقمًا في شهادة ميلاد،
بل تراكم سنوات من الأمان والتكوين النفسي.
وهذا لا يعني أبدًا أن الأب يمكن الاستغناء عنه.
على العكس، دوره أساسي ومهم لتحقيق التوازن النفسي للطفل.
الأب ليس بديلًا… بل ركن مكمّل لا غنى عنه.
لكن الكارثة الحقيقية،
أن نحاول تحقيق التوازن عبر كسر أحد الطرفين.
لسنا بحاجة إلى قوانين تفصل الطفل عن أمه مبكرًا،
ولا إلى قرارات تختزل مشاعره في بنود جامدة.
نحن بحاجة إلى قوانين تعزز دور الأب دون أن تنتزع الطفل من مصدر أمانه الأول.
غير ذلك…
فنحن لا نبني أطفالًا أصحاء نفسيًا،
بل نملأ داخلهم شروخًا…
ثم نتساءل بعد سنوات: لماذا أصبح المجتمع بهذا القدر من القسوة والاضطراب؟
الإجابة ببساطة:
لأننا بدأنا الكسر مبكرًا…
ونفذناه باسم القانون.