📅 ... 🕒 ...

الروائية سعاد سليمان: من الزواج إلى الظلم.. رسائل المصريين السرية إلى الإمام الشافعي

كشفت الكاتبة الروائية سعاد سليمان عن جوانب من العلاقة الخاصة التي جمعت المصريين بالإمام الشافعي، مؤكدة أن محبته لدى المصريين لم تتوقف بوفاته، بل امتدت عبر أجيال من خلال العادات والمعتقدات والحكايات الشعبية المرتبطة به.

وقالت سعاد سليمان، خلال لقائها عبر شاشة فضائية النيل الثقافية، إن الإمام الشافعي يعد أحد الأئمة الأربعة الكبار الذين سار على مذاهبهم أهل السنة والجماعة، موضحة أنه وُلد في غزة، ثم انتقل إلى مكة، وحفظ القرآن في سن السابعة، وبلغ مرتبة الفتوى في سن العشرين، قبل أن ينتقل بين عدد من البلدان، من بينها المدينة وبغداد واليمن، وصولًا إلى مصر التي عاش فيها حتى وفاته عام 204هـ.

وأشارت إلى أن رحلة الإمام الشافعي العلمية بين مكة والمدينة وبغداد واليمن ثم عودته إلى بغداد ومكة والمدينة، وصولًا إلى مصر، كان لها تأثير كبير في تكوين شخصيته ونضجه الفكري، إلا أنها فضّلت التركيز على الجانب الشعبي من علاقته بالمصريين، بعيدًا عن التفاصيل الفقهية المتعلقة بالمذهب القديم والجديد.

وروت سعاد سليمان أن محبة المصريين للإمام الشافعي تحولت إلى تقليد شعبي، تمثل في إرسال الرسائل إليه حتى بعد وفاته، مشيرة إلى أن المصريين كانوا يلجأون إليه في مشكلاتهم باعتباره قادرًا على مساعدتهم وحل أزماتهم.

وأوضحت أن من صور هذه العادة أن شخصًا قد يتعرض لمشكلة في عمله، فينصحه أحدهم باللجوء إلى الإمام الشافعي، فيكتب رسالة ويتركها عند باب بيته، ثم يعتقد أن مشكلته ستجد طريقها إلى الحل. وأضافت أن هذه العادة استمرت حتى بعد وفاة الإمام، وأصبحت الرسائل وسيلة يعبر من خلالها المصريون عن مشكلاتهم وأحلامهم وطلباتهم.

ولفتت سعاد سليمان إلى أن الباحث الدكتور سيد عويس اهتم بهذه الظاهرة عام 1965، وأصدر كتابًا مهمًا بعنوان «رسائل المصريين إلى الإمام الشافعي»، رصد فيه مضمون الرسائل وما تكشفه عن حياة المصريين ومشكلاتهم، إلى جانب دراسة نسب الرجال والنساء بين أصحاب الرسائل وأنواع المطالب التي كانوا يتوجهون بها إلى الإمام.

وأشارت إلى أن الرسائل كانت تتناول موضوعات مختلفة، من الزواج والطلاق ومشكلات العمل والظلم، وصولًا إلى طلبات شخصية وأمنيات تتعلق بالأسرة والحياة اليومية، معتبرة أن هذه الرسائل تمثل مادة مهمة لدراسة المجتمع المصري وتطلعاته ومخاوفه.

وقالت سعاد سليمان إن الدكتور سيد عويس ربط ظاهرة شكاوى المصريين إلى الإمام الشافعي بتاريخ أقدم من الشكوى في المجتمع المصري، مستشهدًا بحكاية «الفلاح الفصيح» في مصر القديمة، ومعتبرة أن المصريين حافظوا عبر التاريخ على تقليد اللجوء إلى جهة يعتقدون أنها قادرة على إنصافهم عندما يعجزون عن حل مشكلاتهم بأنفسهم.

وكشفت عن مفارقة لافتة في الدراسة، موضحة أن أهالي أسوان لم يكونوا يرسلون رسائل إلى الإمام الشافعي، وهو ما ربطته بوجود مشاهد ومقامات شعبية مرتبطة بالأولياء في المنطقة، حيث كان الناس يلجأون مباشرة إلى هذه الأماكن.

وروت سعاد سليمان أنها شاهدت في أحد هذه الأماكن الشعبية أشياء رمزية مثل الترمس النيء والفلفل الأحمر والمسامير الصغيرة، موضحة أن الناس كانوا يربطون بينها وبين مشكلاتهم؛ فالترمس كان يرمز إلى المرارة التي يشعر بها الشخص، والمسامير إلى الأشواك التي تنغص حياته، والفلفل إلى الحرقان والهموم.

وأضافت أن الشخص، وفقًا لهذا الاعتقاد الشعبي، كان يذهب إلى المكان ويشكو مشكلته، فإذا انتهت الأزمة أو ظهرت بوادر حل لها، كان يعود ليضع زهرة في المكان، باعتبارها رمزًا لظهور الحق وحل المشكلة، وقد تصاحب ذلك مظاهر احتفالية شعبية.

وتطرقت سعاد سليمان إلى اعتقاد بعض المصريين في وجود ما وصفته بـ«المحكمة الباطنية»، التي يتصورون فيها أن الأولياء والصالحين يمكن أن يكون لهم دور في الفصل في مشكلاتهم، مؤكدة أن هذه التصورات تنتمي إلى الموروث الشعبي والأسطوري للمجتمع.

كما كشفت عن واقعة طريفة ارتبطت برسائل المصريين إلى الإمام الشافعي في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، قائلة إن أحد الأشخاص كتب في رسالة أنه يحتاج إلى 200 جنيه حتى يتمكن من تزويج ابنته، فاطلع عبد الناصر على الرسالة وقرر مساعدته، فأرسل له 100 جنيه، وطلب إبلاغه بأن المبلغ من الرئيس.

وأضافت أن الرجل عاد وأرسل رسالة أخرى إلى الإمام الشافعي يطلب فيها باقي المبلغ، وقال في رسالته إنه لا يريد أن تأتي المساعدة الثانية مع «عبد الناصر الحرامي»، الأمر الذي أثار ضحك الرئيس، الذي أمر بإرسال المبلغ المتبقي، لكن دون إخباره بأن المال جاء منه، بل إبلاغه بأنه من الإمام الشافعي.

وفي حديثها عن الكرامات المنسوبة إلى الأولياء والصالحين، رأت سعاد سليمان أن التعامل مع هذه الظواهر يمكن دراسته من زاوية الميثولوجيا والعلوم التي تبحث في المعتقدات والتصورات الشعبية، مشيرة إلى أن الإنسان عندما يعجز عن تفسير حدوث أمر ما قد يربطه بالكرامة أو الاستجابة للدعاء.

وأكدت أنها لا تنظر إلى هذه الممارسات باعتبارها توسلًا بالضرورة، موضحة أن بعض الأشخاص يلجأون إلى الدعاء إلى الله بحق الأنبياء والأولياء، ثم يرون أن مشكلاتهم حُلت، فيربطون ذلك ببركة المكان أو الولي.

وأعربت سعاد سليمان عن أمنيتها في استكمال المشروع البحثي الذي بدأه سيد عويس، من خلال دراسة «ما الذي تغير في رسائل المصريين إلى الإمام الشافعي» وما الذي يمكن أن تكشفه الرسائل الحديثة عن أحوال المصريين وأحلامهم ومشكلاتهم.

وانتقدت عدم إتاحة هذه الرسائل للباحثين بصورة كافية، مشيرة إلى أن الأوراق التي يتركها الناس في مقام الإمام الشافعي يتم التخلص منها أو حرقها حفاظًا على أسرار أصحابها، معتبرة أن هذه الأوراق تمثل ثروة اجتماعية مهمة كان يمكن الاستفادة منها في الدراسات العلمية مع الحفاظ على خصوصية أصحابها.

وأشادت سعاد سليمان في ختام حديثها بعلاقة الإمام الشافعي بالمصريين، معتبرة أن المحبة كانت متبادلة، وأن قربه من الناس وطريقته في التعامل معهم أسهما في ترسيخ مكانته في الوجدان الشعبي المصري.

وأوضحت أن المصريين نظروا إليه أيضًا باعتباره من قريش، وارتبطوا به من خلال نسبه إلى النبي محمد، فضلًا عن حضوره بينهم وجلوسه مع الناس ومساعدته لهم واهتمامه بمشكلاتهم.

واعتبرت أن أحد أسباب استمرار محبة المصريين للإمام الشافعي هو ما رأته في شخصيته من بساطة وقرب من الناس، إلى جانب ما ارتبط به من تيسير في بعض الأحكام، مؤكدة أن الإمام الشافعي ظل حاضرًا في الوجدان المصري، حيًا وميتًا، باعتباره واحدًا من أبرز الرموز الدينية والشعبية في تاريخ مصر.

Facebook
X
WhatsApp
Telegram

كلمات مفتاحية

اخترنا لك