وفي ظل الحرب الدائرة بين “ثورة الرجال” و”صرخة النساء”، على الحضانة والرؤية، بين من يطالب بتقليل سن الحضانة، ومن يتمسك بالحفاظ على الوضع الحالي، يظل السؤال الأهم، هل المشكلة الحقيقية في سن الحضانة فقط؟ أم في طريقة إدارة النزاع الأسري نفسها؟.
الحقيقة أننا نحتاج إلى التفكير في حلول أعمق وأكثر إنسانية، تضع مصلحة الطفل أولا، وتخفف من حدة الصراع بين الأبوين.
وتأتي من بين الحلول الملحة هو إلغاء محكمة الأسرة بصورتها الحالية، أو بمعنى أدق إعادة النظر في فكرة محكمة الأسرة التقليدية وآليات عملها، فبدلا من أن تكون ساحة لصراع قضائي، يمكن تحويلها إلى جهة متخصصة لإدارة النزاعات الأسرية، تضم خبراء نفسيين واجتماعيين وقانونيين، من أجل التوفيق بين الطرفين قبل وصول النزاع إلى ساحات القضاء، والوصول إلى حلول ترضي الطرفين وتحقق المصلحة الفضلى للطفل.
لأن تجربة النزاع القضائي هي التجربة الأسوأ على الإطلاق والأكثر قسوة بعد سنوات المودة، ففي كل مرة يدخل فيها أب أو أم إلى المحكمة، لا يكون الأمر مجرد قضية قانونية،بل جرحا عميقا يتجدد، بين لحظات الانتظار الطويلة والجلوس أمام القضاة والأوراق و تبادل الاتهامات، كلها مشاهد تترك أثار نفسية عميقة على كل الأطراف وخاصة الأطفال.
فهناك أمهات يجدن أنفسهن مضطرات الدفاع عن أنفسهن وأطفالهن داخل أروقة المحاكم، وهناك آباء محرومون من رؤية أطفالهم، وكل هذا يحدث داخل جدران باردة وأجواء مشحونة بالتوتر والضغط والإهانة، لهذا فإن إصلاح منظومة محكمة الأسرة بالكامل أصبح ضرورة ملحة.
كما يجب تفعيل دور الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين لتقييم كل حالة بشكل منفصل، لأن كل أسرة لها ظروفها الخاصة، ولا يمكن أن تحسم القضايا الإنسانية الحساسة بقاعدة واحدة للجميع أو قانون واحد يمكن أن ينصف أسرة ويظلم أسرة أخرى.
ومن المقترحات الأكثر إلحاحا هي إصلاح أماكن الرؤية لتصبح بيئة إنسانية وآمنة للأطفال، وهذا أقل حق من حقوق الأطفال، بعيدا عن الأماكن غير الآدمية التي قد تترك أثرا نفسي سلبي على الطفل، لأن منظومة الرؤية في مصر بحاجة إلى مراجعة إنسانية جادة.
كما ينبغي ضمان حق الطفل في التواصل مع والديه بشكل متوازن، فالأب الذي يلتزم بمسؤولياته المادية والمعنوية، من حقه أن يكون حاضر في حياة أبنائه، والأم الحاضنة هي الأخرى يجب أن تدعم للقيام بدورها دون ضغوط أو نزاعات مستمرة.
في النهاية، القضية ليست معركة بين رجل وامرأة، بل مسؤولية مشتركة لحماية الطفل من أن يصبح الضحية الأولى للخلافات، ربما آن الأوان لفتح نقاش أوسع حول إصلاح منظومة إدارة النزاعات الأسرية بالكامل، بدلا من الاكتفاء بالحديث عن تعديل سن الحضانة أو الرؤية أو الاستضافة فقط.