في عيد العمال لا يكفي أن نرفع الشعارات ونوزّع كلمات الشكر… لأن الحقيقة أبسط وأقسى: النساء العاملات في مصر لا يحتجن مجاملات، بل عدالة مؤجلة منذ سنوات.
ليست القضية أن المرأة “دخلت سوق العمل”، هي فيه بالفعل، وتتحمّل عبئين لا عبئًا واحدًا. تعمل لساعات طويلة، ثم تعود لتبدأ “وردية ثانية” داخل المنزل بلا أجر ولا تقدير. ومع ذلك، تُسأل دائمًا: هل قصّرتِ في بيتك؟ ولا يُسأل أحد: هل قُصّر في حقها؟
المشكلة ليست في قدرة النساء، بل في نظام ما زال يتعامل معهن باعتبارهن استثناءً لا أصلًا. أجر أقل لنفس العمل، فرص ترقّي أبطأ، وتمثيل محدود في مواقع القرار. لكن الأخطر من كل ذلك هو غياب بيئة عمل آمنة كحق أساسي لا نقاش فيه.
فالأمان داخل مكان العمل ليس رفاهية تنظيمية، بل شرط وجود. حين تضطر امرأة أن توازن بين الحفاظ على وظيفتها وبين كرامتها، فهذه ليست مشكلة فردية… بل فشل مؤسسي، التحرش والابتزاز والضغوط غير المهنية ليست “تجاوزات”، بل انتهاكات تحتاج لسياسات واضحة وآليات إبلاغ تحمي الضحية لا تُعاقبها بالصمت.
ثم نصل إلى واحدة من أكثر الفئات تهميشًا: العاملات الموسميات. هؤلاء لا يظهرن في تقارير رسمية ولا يحظين بحماية حقيقية. يعملن في الزراعة، أو المصانع، أو الخدمات المؤقتة، بلا عقود، بلا تأمينات، وبأجور هشة تُدفع مقابل أيام معدودة من العمل الشاق.
العاملات الموسميات لا يحتجن شفقة… بل حقوق واضحة:
حق في عقد قانوني حتى لو كان العمل مؤقتًا، حق في تأمين يحميهن من المرض والإصابة، حق في أجر عادل لا يُخفض بحجة “الموسمية”، وحق في بيئة آمنة لا تستغل هشاشة وضعهن. لأن المؤقت لا يجب أن يعني “بلا حقوق”.
وفي القطاع غير الرسمي عمومًا، تتضاعف الأزمة: لا أمان وظيفي ولا أمان شخصي، ولا حتى قدرة على الشكوى. وعند أول أزمة اقتصادية، تكنّ أول من يُستغنى عنهن، وكأن وجودهن كان مؤقتًا منذ البداية.
أما عن “التوازن بين العمل والحياة”، فغالبًا ما يُطرح كامتياز، بينما هو في الحقيقة ضرورة. حضانات في أماكن العمل، إجازات أمومة عادلة، وساعات عمل مرنة — ليست رفاهية، بل شروط للاستمرار.
ورغم كل ذلك، لا تزال النساء تُطالَب بإثبات كفاءتهن كل يوم، بينما يحصل غيرهن على افتراض الجدارة مجانًا.
في عيد العمال، القضية ليست احتفالًا… بل مواجهة. مواجهة لفكرة أن حقوق النساء يمكن تأجيلها، أو تجزئتها، أو التفاوض عليها. لأن ما تطلبه المرأة العاملة في مصر ليس أكثر من حقها الطبيعي: أجر عادل، بيئة عمل آمنة، حماية للعاملات الموسميات، فرصة متكافئة، وصوت مسموع.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه بصدق:
كم “عيد عمال” نحتاج بعد… قبل أن تتحول هذه المطالب من كلمات تُكتب، إلى واقع يُعاش؟