ليس من المبالغة القول إن البرلمان الجديد يأتي في لحظة فارقة من عمر الدولة والمجتمع معا فالقضية لم تعد متعلقة بزيادة نسب تمثيل النساء تحت القبة ولا بإحصاء عدد المقاعد التي تشغلها النساءـ بل بسؤال أعمق وأكثر جوهرية: هل يستطيع البرلمان القادم أن يعيد تعريف العدالة التشريعية للمرأة المصرية؟
المرأة في مصر لم تعد تطلب اعترافا رمزيا ولا بيانات دعم موسمية وإنما تنتظر تشريعا منصفا وتنفيذا منضبطا ونظاما قانونيا يعترف بتعقيد واقعها لا بصورته النظرية
العدالة التشريعية… حين يعجز القانون عن حماية الواقع
من موقع الممارسة القانونية تتكشف فجوة واضحة بين النصوص القائمة وحياة النساء اليومية
لدينا قوانين بل منظومة تشريعية كاملة لكنها في كثير من الأحيان لا تعمل لصالح من وضعت من أجلهم
المرأة التي تلجأ إلى القضاء في نزاع أسري لا تواجه فقط خصما قانونيا بل تواجه بطء الإجراءات وتناقض الأحكام وغياب رؤية موحدة تراعي مصلحة الأسرة دون الإضرار بحقوقها الأساسية
البرلمان الجديد مطالب بأن يتعامل مع العدالة لا بوصفها مادة دستورية بل كمنظومة مترابطة تبدأ من التشريع ولا تنتهي عند التنفيذ
تشريعات تحتاج إلى شجاعة لا مجاملة
ما تنتظره النساء من البرلمان ليس إعادة إنتاج الخطاب ذاته وإنما مراجعة جريئة لملفات مؤجلة منذ سنوات وفي مقدمتها قوانين الأحوال الشخصية وقوانين الحماية من العنف وتنظيم علاقات العمل
في قوانين الأحوال الشخصية لا تكمن الأزمة في النص وحده بل في غياب فلسفة تشريعية واضحة توازن بين الاستقرار الأسري وحقوق المرأة وبين سلطة القاضي وحماية الطرف الأضعف
أما في قضايا العنف فلا يكفي وجود نصوص تجريمية إذا ظل التطبيق هشا والتحقيق بطيئا والحماية اللاحقة للضحية شبه غائبة
البرلمان الجديد مطالب بأن ينتقل من منطق رد الفعل إلى منطق الوقاية ومن التشريع الجزئي إلى الإصلاح القانوني المتكامل
العوار الحقيقي: حين ينفصل القانون عن الإنسان
أخطر ما تعانيه المنظومة التشريعية اليوم ليس نقص القوانين بل انفصالها عن الواقع الاجتماعي
التشريع الذي لا يستند إلى بيانات حقيقية ولا يراعي الفروق بين النساء في الريف والحضر في الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي هو تشريع ناقص مهما بلغت دقته اللغوية
النساء لا يحتجن قوانين مكتوبة بلغة مثالية بل قوانين قابلة للتطبيق تفهم من المواطن وتنفذ من الموظف وتراقب من البرلمان ذاته
البرلمان الجديد… اختبار للجدية السياسية
البرلمان القادم أمام اختبار حقيقي:
إما أن يكون سلطة تشريعية فاعلة تعيد بناء الثقة بين النساء والدولة
وإما أن يكتفي بإدارة الملفات بنفس المنهج القديم
ما تنتظره النساء ليس التعاطف بل الانحياز للعدالة
ليس الخطاب بل الأثر
ليس التمثيل بل التشريع المسؤول
كلمة أخيرة
المرأة المصرية اليوم أكثر وعيا بحقوقها وأكثر قدرة على قراءة القانون وأكثر جرأة في المطالبة بالإنصاف
وأي برلمان لا يقرأ هذا التحول جيدا سيجد نفسه منفصلا عن الواقع مهما حسنت نواياه
فالعدالة لا تقاس بعدد المواد القانونية بل بقدرتها على حماية من هم في أمس الحاجة إليها