📅 ... 🕒 ...

رباب العشري تكتب: حين تتحول البيوت إلى ساحات للعقاب

ما حدث في المحلة الكبرى ليس مجرد «خناقة عائلية» انتهت بالصلح، ولا حكاية ترند عابر سرعان ما ستبتلعه ترندات أخرى.
القصة بدأت من كاميرا مراقبة؛ مشهد صادم لامرأة تُسحب من شعرها في الشارع، ثم انفجرت الحكاية على مواقع التواصل، وبدأت الاتهامات والشتائم وكشف الأسرار، حتى تحولت أزمة بيت إلى قضية يتفرج عليها مجتمع كامل.
ثم جاء الصلح.
صلحٌ تُغلق فيه الملفات، وتعود الزوجة إلى بيت الزوج، وكأن ما حدث مجرد سوء تفاهم عائلي!
لكن السؤال الحقيقي: هل الصلح يعني أن المشكلة انتهت؟
منذ متى تُحل مشاكل البيوت في الشوارع؟
ومنذ متى أصبحت الحما هي صاحبة الحق في «تأديب» زوجة ابنها؟
ومنذ متى صار ضرب المرأة وإهانتها شأنًا عائليًا يُناقش في جلسة عرفية؟
والأهم: أين الزوج؟
أين الرجل عندما تتحول زوجته إلى خصم لأمه؟
أين دوره في حماية بيته ووضع الحدود بين زوجته وأهله؟
هل الرجولة أن يترك النساء يتصارعن، ثم يظهر في النهاية ليعلن الصلح؟
المشكلة ليست في أم الزوج وحدها، ولا في الزوجة وحدها.
المشكلة في منظومة كاملة أصبحت فيها بعض الأسر تتعامل مع الزواج باعتباره امتدادًا لسلطة العائلة، لا شراكة بين شخصين.
الزوجة ليست خادمة لأهل الزوج.
والحما ليست وصية على زوجة ابنها.
والزوج ليس متفرجًا على صراع بين امرأتين.
الزواج بيت له باب، والباب له حدود.
والأخطر من المشاجرة نفسها هو أن تتحول حياة امرأة وطفل إلى مادة للفرجة، وأن يصبح كشف الأسرار والشتائم والتشهير جزءًا من «المحاسبة الشعبية».
طفل رضيع لا ذنب له في خلافات الكبار.
لا نعرف ماذا سيحمل له المستقبل، لكننا نعرف شيئًا واحدًا: الأطفال يدفعون غالبًا ثمن أخطاء لم يرتكبوها.
لا أحد يقول: «هدّوا البيوت، فالطلاق مش سهل».
نعم، هدم البيوت ليس سهلًا.
لكن بناء بيت فوق الإهانة والعنف والخوف ليس انتصارًا للأسرة أيضًا.
البيت لا يحميه الصلح أمام الناس إذا لم يتغير ما يحدث خلف الأبواب.
والمرأة التي تتعرض للإهانة ليست مطالبة بأن تصمت باسم «الأصول»، والرجل الذي يسمح بإهانة زوجته ليس قد حافظ على بيته؛ بل ترك بيته بلا حماية.
كان الجوع موجودًا، وكان الفقر موجودًا، وكان الجهل موجودًا.
لكن كان هناك أيضًا شيء اسمه العيب، والضمير، والحدود، واحترام الإنسان.
أما اليوم، فقد أصبح بعض الناس لا يكتفون بأن يخطئوا في حق بعضهم؛ بل يريدون أن يشاهد العالم كله الخطأ، ويشارك في الحكم، ويصدر العقوبة، وينشر الفضيحة.
أشرس عدو للمرأة أحيانًا قد تكون امرأة أخرى حين تتحول من سند إلى جلاد.
لكن لا تنسوا أن الرجل أيضًا مسؤول.
فالقوامة ليست سلطة على المرأة، وليست تصريحًا لأمه أو لأسرته بالتدخل في حياتها.
القوامة مسؤولية، حماية، عدل، وحزم.
والرجل الذي لا يستطيع أن يضع حدودًا عادلة بين زوجته وأهله، ولا يستطيع أن يحمي كرامة بيته، عليه أن يسأل نفسه قبل أن يسأل زوجته:
هل أنا فعلًا أدير بيتًا… أم أترك الآخرين يديرونه نيابة عني؟
أما نحن، كمجتمع، فعلينا أن نتوقف عن تحويل مآسي الناس إلى محتوى.
ليس كل ما تصوره الكاميرا يجب أن يتحول إلى محكمة.
وليس كل بيت يُهدم يُنقذ بإجبار طرف على العودة.
بعض البيوت تحتاج إلى إصلاح… وبعض العلاقات تحتاج إلى حدود… وبعض الناس يحتاجون إلى أن يتعلموا أن كرامة الإنسان ليست مجالًا للتفاوض.
الصلح الحقيقي ليس أن يعود الأشخاص إلى نفس البيت.
الصلح الحقيقي أن يتغير ما جعل البيت مكانًا للأذى من الأساس.

Facebook
X
WhatsApp
Telegram

كلمات مفتاحية

اخترنا لك