📅 ... 🕒 ...

رباب العشري تكتب: عيد الفلاح.. لكن لا تنسوا المرأة التي تزرع بصمت

في كل عام، يأتي عيد الفلاح المصري، نحتفل بالأرض، نتحدث عن الزراعة، نُشيد بمن يزرع ويحصد ويواجه تعب الموسم وتقلبات الحياة.

لكن وسط كل هذا الاحتفال، هناك امرأة تقف في الخلفية، لا تحمل ميكروفونًا، لا تنتظر تكريمًا، ولا تملك وقتًا لتشرح لأحد حجم ما تفعله، إنها الفلاحة المصرية.

تستيقظ قبل أن يبدأ النهار، تعمل في الأرض، تتابع ما يحتاجه البيت، تهتم بأبنائها، وتعود في اليوم نفسه لتكمل مسؤوليات لا تنتهي، ثم تنام…

لتبدأ الحكاية من جديد.

لا أحد يحسب عدد الساعات التي تعملها.

لا أحد يكتب أمام اسمها «منتجة».

وأحيانًا لا يسمّي ما تفعله «عملًا» من الأساس.

يقال: «دي بتساعد جوزها».

لكنها ليست مساعدة.

هي شريكة.

هي التي تقف بجوار الأرض عندما تحتاج إلى يد.

وتقف بجوار الأسرة عندما تحتاج إلى سند.

وتقف بجوار الحياة نفسها عندما تضيق الظروف.

ومع ذلك، كثيرًا ما يكون اسمها غائبًا عن الحساب.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

لأن أخطر أنواع الفقر ليس فقط أن يكون الإنسان بلا مال.

أخطر أنواع الفقر أن تعمل كثيرًا ولا تملك شيئًا.

أن تنتج ولا تملك قرار إنتاجك.

أن تبني دخلًا لأسرتك ولا يكون لك دخل مستقل.

أن تكون جزءًا من اقتصاد كامل، بينما لا يراك الاقتصاد.

وهذا هو التحدي الذي يجب أن نواجهه عندما نتحدث عن المرأة الريفية.

نحن لا نحتاج أن نقول لها:

«أنتِ عظيمة».

هي تعرف أنها عظيمة.

ولا تحتاج إلى من يربت على كتفها ويقول:

«ربنا يقويكِ».

هي قوية منذ البداية.

ما تحتاجه هو الفرصة.

فرصة أن يكون لعملها قيمة اقتصادية واضحة.

فرصة أن تحصل على تمويل.

فرصة أن تبيع إنتاجها بسعر عادل.

فرصة أن تتعلم التكنولوجيا الحديثة.

فرصة أن تمتلك مشروعًا باسمها.

فرصة أن تدير دخلها.

فرصة أن يكون لها صوت عندما يتعلق الأمر بمستقبلها.

لأن التمكين الحقيقي لا يعني أن نقول للمرأة:

«نحن نساعدك».

بل يعني أن نقول:

«نحن نزيل من طريقك ما يمنعك من أن تصلي بنفسك».

وهنا يأتي الشمول المالي.

حساب بنكي ليس مجرد بطاقة.

والتمويل ليس مجرد قرض.

والدفع الإلكتروني ليس مجرد وسيلة حديثة.

كل هذه الأدوات يمكن أن تكون للمرأة الريفية طريقًا إلى استقلال اقتصادي أكبر.

لكن علينا أن نذهب أبعد.

أن تصل المعلومة إلى القرية.

أن يصل التدريب.

أن يصل التمويل.

أن يصل السوق.

أن تصل التكنولوجيا.

وأن تصبح المرأة قادرة على تحويل مهارتها وإنتاجها إلى مشروع مستدام.

لأن الفلاحة التي تصنع الجبن أو الخبز أو المنتجات الزراعية أو تربي المواشي أو الدواجن ليست مجرد امرأة «تدبر أمور بيتها».

هي صاحبة قيمة اقتصادية.

وقد تكون صاحبة مشروع أيضًا.

والمشروع الذي يبدأ في بيت ريفي صغير قد يصبح مصدر دخل لأسرة كاملة، وربما مصدر رزق لنساء أخريات.

لهذا فإن تمكين المرأة الريفية ليس معروفًا نقدمه لها.

إنه استثمار في مصر.

لكن هناك شيء آخر يجب أن نقوله بصراحة.

لا يمكن أن نطالب المرأة الريفية بالصمود طوال الوقت.

نطلب منها أن تتحمل.

أن تعمل.

أن تربي.

أن تساعد.

أن تصبر.

ثم عندما تطالب بحقها، نقول لها:

«استحملي شوية كمان».

لا.

المرأة ليست ماكينة تحمّل.

هي إنسانة لها حقوق وطموحات وكرامة ومستقبل.

ومن حقها أن يكون لها نصيب عادل من ثمار ما تنتج.

ومن حقها أن تشعر أن تعبها لم يذهب هباءً.

ومن حق ابنتها أن ترى أمامها مستقبلًا مختلفًا.

مستقبلًا لا تضطر فيه إلى الاختيار بين أن تكون ناجحة وأن تكون أسرة.

ولا بين العمل والكرامة.

ولا بين الطموح ورضا المجتمع.

وفي عيد الفلاح، إذا أردنا تكريم الأرض فعلًا…

فلنكرّم كل من يعمل فيها.

إذا أردنا أن نحتفي بالمحصول…

فلنعترف بكل يد ساهمت فيه.

وإذا أردنا أن نتحدث عن الريف…

فلنتحدث عن نسائه، لا باعتبارهن خلفية للمشهد، بل باعتبارهن جزءًا من قلبه.

فالفلاح المصري له عيد.

لكن الفلاحة المصرية تستحق أكثر من يوم.

تستحق أن تُرى.

أن يُسمع صوتها.

أن يُحسب عملها.

أن يُحترم إنتاجها.

وأن تكون شريكة في القرار الذي يصنع مستقبلها.

لأن وراء كل أرض خضراء حكاية.

ووراء كل محصول تعب.

ووراء كل بيت ريفي امرأة ربما لم يعرف أحد اسمها…

لكنها كانت هناك.

تزرع بصمت.

وتحصد بصمت.

وتربي بصمت.

وتبني بصمت.

واليوم…

آن الأوان ألا يكون صمتها هو الطريقة الوحيدة التي نعرف بها عظمتها.

كل عام والفلاحة المصرية بخير.

كل عام وهي شريكة كاملة في الأرض، وفي الإنتاج، وفي الاقتصاد، وفي الوطن.

فالمرأة التي تزرع مستقبل أبنائها كل يوم… تستحق أن تكون شريكة في صناعة مستقبل مصر.

Facebook
X
WhatsApp
Telegram

كلمات مفتاحية

اخترنا لك