بلاشك أن ملف الطفل ليس مجرد قضية اجتماعية تناقش في التقارير والغرف المغلقة، بل يعد هو حكاية عاطفية لقلب صغير يتشكل يوماً بعد يوم وسط عالم لا يفهمه بالكامل.
هذا الطفل يعانى كثيراً ولا يطلب سوى الطمأنينة،ويداً تطبطب و تحتضنه عندما يخاف، لكن في كثير من البيوت يجد نفسه شاهداً على صراعات وخلافات لا ذنب له فيها، كان من المفترض أن يكونا له البيت وطناً آمناً مستقراً حين ترتفع الأصوات وتتزايد المشادات بين الأب وألام يشعر بالخوف والفزع وإذا تصاعد الأمر بالتراشق أو التعدى والتطاول بالايدى يتسلل الخوف الى صدره وينكمش في زاوية صامتة، يراقب، ويحاول أن يفهم ويتسأل: لماذا يغضب أبي؟ لماذا تبكي أمي؟ وهل أنا السبب؟ هذه الأسئلة الصغيرة، رغم بساطتها، قد تثقل قلبه أكثر مما يحتمل. فالطفل بطبيعته يميل إلى لوم نفسه، ويشعر أنه مسؤول عن إعادة الأمور إلى نصابها، وكأن على كتفيه الصغيرتين مهمة إصلاح عالم الكبار. أما الأم، فهي في كثير من الأحيان القلب الذى ينزف في هذه المعادلة, تتحمل ضغوط الحياة، وتحاول أن تكون الحصن الأخير لأطفالها، لكنها قد تنهار بصمت حين تتكرر الصراعات.
قد تجد الأم نفسها ممزقة من الداخل مابين دورها كزوجة تحاول الدفاع عن مشاعرها وحقوقها، وبين كونها أماً تخشى أن يرى طفلها انكسارها. في لحظات ضعفها، قد تبكي بعيداً، أو ربما أمام طفلها دون قصد، فيكبر داخله شعور بالحزن والعجز، لأنه لا يستطيع أن يخفف عنها. الصراع بين الرجل والمرأة ليس جريمة في حد ذاته، فهو جزء طبيعي من أي علاقة، لكن الطريقة التي يدار بها هي التي تصنع الفارق, حين يتحول الخلاف إلى قسوة، أو إلى تجاهل، أو إلى كلمات جارحة، أو تطاول بالايدى,هنا يصبح البيت مكانًا غير آمن, والطفل، الذي كان يفترض أن ينام مطمئنًا، ينام وهو يحمل في قلبه قلقاً لا يعرف كيف يعبر عنه في كثير من الأحيان. تحاول الأم أن تبتسم رغم التعب، وأن تخفي دموعها خلف قوة مصطنعة، فقط حتى لا يرى طفلها العالم هشاً, لكنها تحتاج هي الأخرى إلى دعم، إلى شريك يقدر حجم ما تتحمله، ويشاركها مسؤولية خلق بيئة آمنة لهذا لأطفالهم، فالأم لا تستطيع وحدها أن تواجه بمفردها كل هذه الضغوط، ولا يجب أن تترك لتفعل ذلك.
الحل لا يكمن في غياب الخلاف، بل في حضوره بشكل إنساني, في أن يتعلم الرجل أن يصغي، وأن يدرك أن الكلمة الطيبة لها تأثير,وأن تدرك المرأة أن التعبير عن الألم لا يعني التصعيد أو الشكوى، بل يمكن أن يكون دعوة للفهم. وبين هذا وذاك، يجب أن يكون هناك وعي مشترك بأن الطفل يرى ويسمع ويشعر، حتى وإن بدا صامتاً. من أهم الخطوات أن يبعد الطفل عن ساحة الصراع ويكون على مسافة واحدة بين الطرفين، وألا يستخدم كوسيلة للضغط أو كحكم بين الطرفين. يجب أن يشعر رغم كل شيء، أن هناك حباً ثابتاً لا يتغير، وأن الخلاف لا يعني نهاية العالم, كما أن منح الطفل مساحة للتعبير عن مشاعره، والاستماع إليه بصدق، قد يخفف كثيراً عن ألامه. وفي بعض الأحيان، يكون الاعتراف بالحاجة إلى مساعدة خارجية خطوة شجاعة، لا ضعفًا, فالإرشاد الأسري يمكن أن يفتح نوافذ جديدة للفهم، ويساعد الطرفين على رؤية الأمور من زاوية مختلفة، بعيدًا عن الانفعال.
في النهاية، يبقى الطفل هو الكائن الأكثر تأثراً، والأقل قدرة على الدفاع عن نفسه, والأم، رغم قوتها الظاهرة، تظل بحاجة إلى سند حقيقي, لذلك، فإن أي محاولة لحل الصراعات بين الرجل والمرأة يجب أن تبدأ من التعاطف مع الطفل الذي يخاف بصمت، ومع الأم التي تحاول أن تبدو قوية وهي تتألم.
لأن بناء أسرة مستقرة لا يعني غياب الألم، بل القدرة على احتوائه بحب ووعي، حتى لا يتحول إلى جرح دائم في قلب طفل يستحق حياة أكثر دفئاً وأماناً. فالمشكلة هنا ليست في وجود الخلاف بل في تحوله إلى بيئة مؤلمة للطفل ومرهقة للأم,والحلول الحقيقية لا تكون شعارات، بل ممارسات يومية بسيطة لكنها مؤثرة. أهمها أن يبدأ الطرفان بالاعتراف بأن الطفل ليس متفرجاً محايداً، بل قلب يتأثر بكل كلمة ونبرة صوت.
أول خطوة أساسية هي إدارة الخلاف بهدوء بعيداً عن الصراخ والإهانة.
ثانياً لا ينبغي أبدًا أن يستخدم كوسيط أو يطلب منه الانحياز. فكل هذا يضعه في ضغط نفسي قاسى,الأفضل أن يظل خارج دائرة النزاع تماماً، مع التأكيد له أن الخلاف لا علاقة له به ثالثاً دعم الأم نفسيًا وعمليًا أى وجود شريك يشاركها المسؤولية، يستمع لها، ويقدر تعبها، ينعكس مباشرة على استقرار الطفل, فاستقرار الأم يعني بيئة أكثر أستقراراً للطفل.
رابعاً تعلم مهارات التواصل كثير من الصراعات سببها سوء الفهم، لا سوء النية, من المهم أن يتعلم الطرفان التعبير عن مشاعرهما بدون اتهام هذا التغيير البسيط يقلل التصعيد ويقرب وجهات النظر
خامساً، الاعتذار عند الخطأ قد يظن البعض أن الاعتذار يقلل من الهيبة، لكنه في الحقيقة يعلم الطفل درساً عظيماً في الإنسانية, عندما يرى الطفل الأب أو الأم يعترفون بخطئهم، يتعلم أن العلاقات تصلح، وأن الخطأ ليس نهاية.
سادساً تخصيص وقت هادئ للأسرة بعيداً عن التوتر, لحظات بسيطة من اللعب أو الحديث أو الخروج يمكن أن تعيد التوازن، وتمنح الطفل شعورًا بأن الأسرة ما زالت آمنة ومستقرة رغم أي خلاف. فالحل يبدأ من التعاطف, أن يرى الرجل أثر كلماته، وأن تدرك المرأة قوة هدوئها، وأن يتذكر الاثنان أن هناك اطفالاً يبنيان عالمهما من خلالهما, عندما يتحول الخلاف من صراع إلى حوار، يتحول البيت من ساحة توتر إلى مساحة أمان وطمأنينة ويسود الاستقرار والدفء والحب وهذا هو ما يحتاجه أبنائنا قبل أي شيء.