في كل مرة تعلن فيها الحكومة عن زيادة جديدة في أسعار الوقود أو الكهرباء أو الخدمات، يُنظر إلى القرار باعتباره إجراءً اقتصاديًا يستهدف إصلاح الموازنة العامة. لكن خلف الأرقام والجداول يقف وجه آخر للأزمة، هو وجه المرأة المصرية، التي تتحمل العبء الأكبر من موجات الغلاء المتلاحقة.
فالمرأة ليست مجرد مستهلكة، بل هي في أغلب الأسر المصرية المديرة الفعلية لميزانية المنزل. وهي التي تواجه يوميًا معادلة شبه مستحيلة: دخل ثابت أو محدود، وأسعار تتغير باستمرار. وكل زيادة في الوقود لا تتوقف عند محطة البنزين، بل تمتد إلى أسعار الغذاء والمواصلات والدواء والملابس، لتصبح تكلفة الحياة بأكملها أعلى من قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.
وتدفع المرأة العاملة الثمن مرتين؛ مرة باعتبارها مواطنة تتحمل ارتفاع تكاليف المعيشة، ومرة باعتبارها مسؤولة عن توفير احتياجات الأسرة. أما المرأة المعيلة، التي تنفق بمفردها على أطفالها، فتجد نفسها أمام تحديات أشد قسوة، إذ تتحول كل زيادة في الأسعار إلى تهديد مباشر لقدرتها على توفير الاحتياجات الأساسية.
ولا تقتصر آثار الغلاء على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى الصحة النفسية والاجتماعية. فالشعور الدائم بالعجز عن تلبية احتياجات الأبناء، والضغط الناتج عن إعادة ترتيب الأولويات، والاستغناء عن احتياجات أساسية، كلها عوامل تزيد من مستويات التوتر والقلق داخل الأسرة، وغالبًا ما تكون المرأة هي من تتحمل هذا العبء بصمت.
ورغم أن الدولة تتحدث عن برامج للحماية الاجتماعية، فإن اتساع موجات التضخم والزيادات المتكررة في الأسعار يجعل أثر هذه البرامج محدودًا بالنسبة لقطاعات واسعة من النساء، خاصة في المناطق الريفية والأسر منخفضة الدخل. لذلك يصبح تمكين المرأة اقتصاديًا ليس شعارًا، بل ضرورة تفرضها الظروف الاقتصادية الراهنة.
إن أي سياسة اقتصادية لا تقاس فقط بما تحققه من أرقام في الموازنة، وإنما بقدرتها على حماية الفئات الأكثر تأثرًا. والمرأة المصرية تأتي في مقدمة هذه الفئات، لأنها تتحمل مسؤولية الأسرة والعمل ورعاية الأطفال وكبار السن في آن واحد.
فالغلاء لا يرهق جيب المرأة فقط، بل يستهلك طاقتها النفسية، ويحد من فرصها في التعليم والعمل والادخار والاستثمار في مستقبل أبنائها. وإذا كانت الدولة تسعى إلى بناء اقتصاد قوي ومستدام، فإن حماية المرأة من الآثار القاسية للإصلاحات الاقتصادية يجب أن تكون جزءًا أصيلًا من هذه الرؤية، لأن استقرار الأسرة يبدأ من استقرار المرأة، واستقرار المجتمع يبدأ من الأسرة.