ليست المسألة أن امرأة أصبحت رئيسة للحكومة في المغرب.
المسألة أن مقعدًا ظل طويلًا يُعامل وكأنه مكتوب عليه: للرجال فقط، جلست عليه امرأة.
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية.
تولي فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة المغربية، بوصفها أول امرأة تتولى هذا المنصب، ليس مجرد خبر سياسي عابر. إنه مشهد يضع كثيرًا من المسلمات القديمة أمام امتحان قاسٍ: من قال إن القيادة لها جنس؟ ومن قرر أن صناعة القرار تحتاج إلى صوت ذكوري حتى تصبح “مقبولة”؟
سنوات طويلة قيل للمرأة: كوني ناجحة، لكن لا تقتربي كثيرًا من مراكز القوة.
تعلّمي، اعملي، نافسي، اصعدي… لكن عندما تصلين إلى المكان الذي تُصنع فيه القرارات الكبرى، يبدأ السؤال: هل تستطيع المرأة أن تقود؟
والحقيقة أن هذا السؤال نفسه أصبح قديمًا.
فالرجل عندما يصل إلى السلطة لا يُطلب منه أن يثبت أن الرجال قادرون على القيادة.
أما المرأة، فتدخل وهي مطالبة بأن تحمل فوق كتفيها تاريخًا كاملًا من الشكوك.
أن تنجح لنفسها، ولجنسها، ولصورة المرأة في المجتمع، ولمن سيأتي بعدها.
وهذا هو الظلم الحقيقي.
لماذا يجب على كل امرأة أن تكون استثناءً حتى يُسمح لها بأن تكون قاعدة؟
وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة لا يعني أن معركة النساء انتهت.
على العكس.
إنه يرفع سقف الأسئلة.
هل ستصبح المرأة شريكة كاملة في صناعة السياسات، أم ستظل صورتها مطلوبة في الاحتفالات بينما تبقى مراكز القرار الحقيقية مغلقة؟
هل سنرى المزيد من النساء في مواقع السلطة؟
هل ستصل المرأة إلى الاقتصاد، والقضاء، والإدارة المحلية، ومجالس إدارات المؤسسات الكبرى، لا باعتبارها “امرأة ناجحة” وإنما باعتبارها كفاءة تستحق موقعها؟
وهنا يجب أن نكون أكثر صراحة.
التمكين الذي ينتهي عند التصفيق ليس تمكينًا.
أن نضع امرأة في موقع رفيع ثم نستخدم صورتها لإثبات أننا مجتمع منفتح، بينما تواجه ملايين النساء عوائق تمنعهن من الوصول إلى مواقع القيادة، فهذا ليس تغييرًا حقيقيًا.
التغيير الحقيقي يبدأ عندما لا تكون فاطمة الزهراء المنصوري “أول امرأة” إلى الأبد.
نريد الثانية والثالثة والعاشرة.
نريد أن يصبح وجود المرأة في قمة السلطة شيئًا طبيعيًا لا خبرًا استثنائيًا.
نريد أن تتوقف المجتمعات عن سؤال المرأة: هل تستطيعين؟
وأن تبدأ بسؤالها: ماذا ستفعلين؟
هذه ليست معركة المغرب وحده.
إنها رسالة لكل امرأة عربية تقف أمام باب مغلق وتُقال لها بطريقة مباشرة أو ناعمة: هذا المكان ليس لكِ.
الجواب يجب أن يكون واضحًا:
لا يوجد منصب مكتوب عليه “للرجال فقط”.
ولا توجد سلطة يجب أن تخاف من المرأة لمجرد أنها امرأة.
فالمرأة لا تحتاج إلى أن يمنحها أحد “فرصة استثنائية”.
هي تحتاج فقط إلى أن تُرفع الحواجز التي لم يكن لها دور في صنعها.
أما بعد ذلك، فالمعيار يجب أن يكون واحدًا:
الكفاءة.
القدرة.
النزاهة.
الإنجاز.
والنتائج.
وهنا تكمن قوة اللحظة المغربية.
ليس لأن امرأة وصلت إلى القمة فحسب، وإنما لأن كل امرأة عربية تستطيع أن تنظر إلى المشهد وتعيد صياغة السؤال داخل رأسها:
لماذا لا أكون أنا؟
لكن الوصول إلى السلطة ليس نهاية الحكاية، بل بداية الاختبار الحقيقي. فالمطلوب ليس أن تُمنح المرأة موقعًا لتُثبت أن النساء قادرات، ولا أن تُحاسب بوصفها ممثلة لجنسها، بل أن تُقاس بالمعيار نفسه الذي يُقاس به كل مسؤول: ماذا أنجزت؟ كيف أدارت؟ وما النتائج التي حققتها؟
حين تصبح الكفاءة هي اللغة الوحيدة في الحكم على الأداء، تتحرر المرأة من عبء التمثيل الرمزي، ويتحرر المجتمع من وهم أن القيادة امتياز ذكوري. عندها لا تعود المرأة مطالبة بأن تكون معجزة كي تستحق مكانها، ولا يصبح فشل امرأة دليلًا على فشل النساء، كما لا يُعد نجاح رجل برهانًا على تفوق الرجال.
فالمشكلة لم تكن يومًا في أن المرأة لا تستطيع الوصول، بل في أن المجتمعات اعتادت أن ترى وصولها كاستثناء. وحان الوقت لكي يصبح حضورها في السلطة أمرًا طبيعيًا، وأن يصبح السؤال عن أدائها لا عن جنسها.
وهذا هو الانتصار الحقيقي:
أن تصل المرأة إلى السلطة، ثم تُمنح الفرصة نفسها، ويُطبَّق عليها المعيار نفسه، ويُحكم عليها بما تقدمه لا بكونها امرأة.