حين يُترك اضطراب نفسي لدى طفل من دون علاج، يبدو الأمر في الظاهر وكأنه شأن خاص يخص الطفل وأسرته.
لكن الحقيقة التي تكشفها عقود من الأبحاث مختلفة تمامًا: الجرح النفسي غير المعالَج في الطفولة لا يبقى حبيس الطفل، بل يتمدد مع الوقت ليصبح عبئًا صحيًا واقتصاديًا واجتماعيًا يتحمله المجتمع بأسره.
تشير الدراسات إلى أن الإهمال العاطفي قد يكون أشد ضررًا على الصحة النفسية من أنواع أخرى من سوء المعاملة في الطفولة.
فحين يدرك الطفل أنه مُهمَل عاطفيًا، ترتفع احتمالية إصابته باضطرابات نفسية إلى الضعف تقريبًا بحلول سن الخامسة عشرة، بما يشمل الاكتئاب، والاضطراب ثنائي القطب، والقلق، ونوبات الهلع، والرهاب، واضطراب ما بعد الصدمة. هذه ليست مشكلات عابرة تُشفى من تلقاء نفسها، بل اضطرابات تتراكم وتتجذر كلما طال أمد غياب التدخل العلاجي.
الأثر لا يتوقف عند الحالة النفسية وحدها؛ فالأطفال الذين لا يحصلون على دعم نفسي مناسب أكثر عرضة لضعف التركيز والانتباه، وتراجع التحصيل الدراسي، وصعوبات في تكوين علاقات مستقرة. ومع الوقت، يتحول الاضطراب النفسي غير المعالَج إلى حلقة تُضعف قدرة الطفل على التعلم والاندماج، فيبدأ في التراكم مع كل مرحلة عمرية جديدة.
الأخطر أن أثر هذا الإهمال لا يبقى محصورًا داخل حياة الطفل، بل ينتقل إلى المجتمع في صورة كلفة اقتصادية ضخمة. دراسات غربية حديثة قدّرت أن الصدمات النفسية القابلة للوقاية في الطفولة تكلف أمريكا الشمالية وأوروبا نحو 1.3 تريليون دولار سنويًا، فيما رجّحت دراسة أخرى نشرتها إحدى الدوريات الطبية المرموقة أن الاقتصاد الأمريكي كان يمكن أن يكون أكبر بمقدار 14 تريليون دولار لو أمكن الوقاية من الحالات الصحية لدى البالغين الناتجة عن تجارب الطفولة الصعبة. كما تشير تقديرات أخرى إلى أن النتائج السلبية المترتبة على غياب العلاج تكلف المجتمعات أكثر من 458 مليار دولار سنويًا، بمعدل يتجاوز 194 ألف دولار على مدار حياة الفرد الواحد.
هذه الأرقام ليست تجريدًا نظريًا؛ فهي تنعكس في صورة أعباء حقيقية على أنظمة الرعاية الصحية، والخدمات الاجتماعية، والتعليم، وأجهزة إنفاذ القانون. فالطفل الذي يكبر وهو يحمل اضطرابًا غير معالَج يصبح أكثر عرضة للتغيب عن المدرسة وضعف التحصيل، وهو ما يقلل فرصه في سوق العمل لاحقًا، ويزيد اعتماده على شبكات الدعم الاجتماعي، وأحيانًا يتقاطع مسار حياته مع منظومة العدالة الجنائية. وهكذا تنتقل المشكلة من حالة فردية إلى عبء موزّع على مؤسسات المجتمع كافة
من أخطر ما يميز الأثر النفسي غير المعالَج أنه لا يتوقف عند الجيل الذي عاشه. فالبالغ الذي كبر وهو يحمل صدمة طفولة لم تُعالَج غالبًا ما يجد صعوبة في بناء علاقات أسرية مستقرة أو في توفير بيئة عاطفية آمنة لأطفاله، ما يهيئ الظروف لتكرار النمط نفسه مع الجيل التالي. بهذا المعنى، فإن إهمال العلاج النفسي لا يضر بطفل واحد فحسب، بل يضع أساسًا هشًا يمتد أثره لأجيال قادمة.
المفارقة أن التدخل المبكر، رغم أنه يبدو أمرًا يتطلب موارد وكوادر متخصصة، أقل كلفة بكثير من ترك المشكلة تتفاقم. فبحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، فإن خفض معدلات التعرض لصدمات الطفولة بنسبة 10 فقط بالمئة يمكن أن يوفر ما يقارب 105 مليارات دولار سنويًا. أي أن كل دولار يُستثمر في الكشف المبكر والعلاج النفسي للأطفال هو في جوهره توفير مضاعف لاحقًا، لا بند إنفاق إضافي.
هذا يعيد طرح السؤال بصياغة أدق:
إهمال العلاج النفسي للأطفال ليس توفيرًا في الموارد، بل تأجيل لفاتورة أكبر بكثير، تُدفع لاحقًا من صحة المجتمع واقتصاده وأمنه. والمجتمعات التي تتعامل مع الصحة النفسية للطفولة بوصفها استثمارًا أساسيًا، لا عبئًا يمكن تأجيله، هي وحدها القادرة على كسر هذه الدائرة قبل أن تتحول إلى أزمة يصعب احتواؤها.
نداء الحديدي
استشارى تطوير الرعايه البديله وإداره المؤسسات التنموية