📅 ... 🕒 ...
[quads id=2]

على فرجاني يكتب : ” الست “.. بين سطوة الإنتاج وإعادة تشكيل الذوق العام

فيلم ” الست” الذي يروي قصة أم كلثوم لم يكن مجرد عمل سينمائي جديد، بل أصبح ظاهرة ثقافية أثارت نقاشات حادة منذ اللحظة الأولى لإعلانه.
الجدل لم يتوقف عند تقييم الجودة الفنية، بل امتد إلى أسئلة أكبر: إلى أي مدى يمكن لرأس المال أن يتدخل في صياغة كيفية تلقينا لرموزنا الثقافية؟ وكيف يلعب الإعلام دوراً في توجيه هذا التلقي، خاصة حين يتعلق الأمر بشخصية مثل كوكب الشرق، التي لا تزال حية في وجدان ملايين العرب؟.
المشكلة الأساسية، في رأيي، تكمن في السيناريو والرؤية الإخراجية معاً، بطريقة صادمة وليست مجرد انتقائية. الفيلم يقترب من سيرة أم كلثوم بخيارات درامية وبصرية تثير الصدمة، بل إنها في بعض الجوانب نالت من الشخصية نفسها، من خلال تقديم ادعاءات وصور تتعارض مع ما يثبته التراث الوطني والتاريخي الموثق.
فأم كلثوم ليست مجرد فنانة، بل رمز وطني قدمت جهوداً حربية مشهودة، وريادة فنية لا تُنكر، وشخصية قوية ظهرت بوضوح في محافلها العامة ولقاءاتها التليفزيونية، وشهادات المقربين منها والمؤرخين، فضلاً عن مساندة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الصريحة لشخصها وفنها ودورها الوطني. هذا النهج الصادم يضعف المعالجة الدرامية، ويجعل العمل يبدو قاصراً عن نقل ثقل الشخصية الحقيقي، رغم الإنتاج الفخم.
من الناحية الإخراجية، لا يمكن إنكار أن الفيلم يبدو أنيقاً جداً. الصورة مصقولة، الإضاءة مدروسة، الكادر احترافي، والإيقاع يسير بسلاسة. الجهد التقني واضح. لكن هذا الإتقان الشكلي لا يعوض غياب رؤية إخراجية عميقة للشخصية. هناك فارق كبير بين لغة سينمائية متقنة، وبين موقف فكري وجمالي متماسك. في “الست”، يغلب الإبهار البصري أحياناً على العمق الدرامي، مما يجعل العمل يبدو أقرب إلى عرض براق منه إلى استكشاف يحترم التاريخ والرمزية.
الانتاج جزء لا يتجزأ من المعادلة. الفيلم حقق في أقل من أسبوعين إيرادات تقترب من 20 مليون جنيه، مع بيع أكثر من 134 ألف تذكرة. نجاح لافت، لكن جزءاً كبيراً منه يعود إلى الجدل الهائل على وسائل التواصل والحملات التسويقية المكثفة. هذا النجاح الجماهيري لا يعني تلقائياً تفوقاً فنياً شاملاً؛ فالإيرادات قد تعكس قوة التسويق أكثر مما تعكس توازناً حقيقياً بين الشكل والمضمون.
ما يثير القلق أكثر هو الطريقة التي دافعت بها بعض المنصات الإعلامية عن الفيلم. غالباً ما قُدم العمل كـ ثورة فنية أو قراءة جديدة جريئة، دون نقاش متوازن حول أسسه المعرفية أو خياراته الدرامية. هذا الخطاب يميل أحياناً إلى الترويج أكثر من النقد، ويلقي باللوم على الجمهور إذا لم يقبل التجديد، بدلاً من الاعتراف بأن بعض الضعف في المعالجة  خاصة في جوانب تتعلق بصورة الشخصية الوطنية  قد يكون سبباً مشروعاً للتحفظ.
القضية ليست رفضاً للتجديد أو لأي محاولة معاصرة لقراءة تراثنا. بالعكس، نحن بحاجة ماسة إلى مثل هذه المحاولات، لكن بشرط أن تكون أقوى وأعمق، وتحترم الوقائع التاريخية والرمزية. احترام ذاكرة الجمهور ووعيه الثقافي ليس عائقاً أمام الجرأة، بل هو الأساس الذي يجعلها مؤثرة حقاً.
الفن لا يُفرض، بل يُناقش. والنقد ليس عدواً للإبداع، بل شرط من شروطه الأساسية.
في النهاية، جدل “الست” يكشف عن توتر عميق بين منطق السوق ومنطق القيمة الفنية، بين الصورة كأداة إبهار، والمعرفة كأساس للفهم.
الرهان الحقيقي هو أن نحافظ على مساحة نقدية حرة ومستقلة، تقيّم الأعمال بمعايير جمالية وفكرية واضحة، بعيداً عن ضغوط رأس المال أو الحملات الإعلامية. فقط هكذا يمكن للفن أن يتطور، ولتراث أم كلثوم أن يُعامل بالعمق والاحترام الذي يستحقه.
Facebook
X
WhatsApp
Telegram

كلمات مفتاحية

اخترنا لك