بجرأة أدبية لافتة وحس إنساني عميق، أصدرت الكاتبة المغربية هند الصنعاني روايتها الجديدة «أجنحة مبتورة» عن دار سما للنشر والتوزيع، لتفتح جرحا إنسانيا طالما أُخفي خلف ستار العادات والتقاليد وهو ختان الإناث.
تأتي الرواية لتكمل مسار الكاتبة في الدفاع عن قضايا المرأة، بعد أعمالها السابقة «أحلام من المحيط» و«الإطار القانوني للمرأة المصرية والأجنبية في مصر بين التحديات والتطلعات»، اللتين رسختا اسمها كصوت أدبي يزاوج بين البعد الحقوقي والهم الإنساني.
في «أجنحة مبتورة»، تقتحم هند الصنعاني منطقة محرمة في الوعي الجمعي، لتروي مأساة الطفلة روح الفؤاد، التي تُسلب طفولتها في ليلة يُقدّم فيها الألم قربانا باسم «الفضيلة»، وتكشف الرواية عن تواطؤ المجتمع مع الموروث حين يتحول الدين إلى أداة قمع، والعادات إلى سكين يُنزف به الجسد والروح معا.
بلغة مشحونة بالعاطفة والصدق، تكتب هند الصنعاني وجعا مؤجلا وتضع القارئ أمام سؤال إنساني مؤلم: “هل يمكن لمن بُترت أجنحتها أن تحلق من جديد؟”
تتبنى الكاتبة أسلوبا يجمع بين الاعتراف والبوح النفسي، والتحليل الاجتماعي القاسي، لتصوغ عملا روائيا يضع المتلقي في مواجهة ذاته قبل أن يواجه الواقع، ولا تكتفي الرواية بالتنديد بالعنف، بل تحاول تفكيك البنية الفكرية التي تشرعن له، لتتحول من مجرد قصة طفلة إلى صرخة مجتمع بأسره.
يغدو الغلاف البصري للرواية امتدادا رمزيا للنص الأدبي، طفلة صغيرة تُولي ظهرها للقارئ، يداها مكبلتان، ومن كتفيها تتساقط ريشاتٌ دامية كانت يوما ما أجنحة، اللون الأحمر الغالب يرمز إلى نزيف الجسد والروح، بينما العتمة التي تحيط بها تحيل إلى العزلة والخذلان الاجتماعي، بهذا التكوين الفني، يعكس الغلاف فكرة الاغتيال الرمزي للبراءة، ويترجم عنوان الرواية في صورة تختصر الألم الإنساني بأقسى تجلياته.
تؤمن هند الصنعاني أن الأدب فعل مقاومة، وأن الرواية قادرة على كسر الصمت حين تعجز القوانين والمجتمعات عن ذلك.
من خلال أعمالها، تواصل الكاتبة الدفاع عن المرأة لا باعتبارها قضية اجتماعية فحسب، بل ككائن إنساني له الحق في الجسد والكرامة والاختيار، وهي بذلك تضع بصمتها ضمن الأصوات النسائية العربية الواعدة التي تعيد تعريف دور الأدب في تعرية المسكوت عنه ومنازلة الخرافة بالوعي.
“أجنحة مبتورة” رواية تعري الواقع دون تجميل، وتفتح بابا للنقاش حول مفهوم الطهر والأنوثة والسلطة الأبوية في المجتمعات العربية، إنها رواية تُقرأ كعمل أدبي بليغ، وكـشهادة إنسانية ضد العنف المقنع بالدين والعادات، لتظل صرختها شاهدة على وجع جمعي لا يزال يبحث عن الخلاص.
