عيد الحب يمثل لنا يومًا للاحتفال، لكنه في حقيقته أعمق من باقة ورد، وأصدق من بطاقة حمراء، وأبقى من صورة عابرة على منصات التواصل. فهو ليس مجرد احتفال بين الأزواج والأصدقاء، بل تعبير ورسالة إلى العالم بضرورة انتشار قيم المودة والرحمة والتسامح التي نادت بها مختلف الديانات السماوية، بأسمى معاني الإخلاص والوفاء.
غير أن السؤال الذي نادرًا ما نطرحه: هل نحتفل بالحب أم نحتفل بفكرته؟
وهل يكفي أن نقول “أحبك”، أم أن الحب الحقيقي يُقاس بقدرتنا على الوفاء حين تغيب الأضواء؟
في زحام الحياة، يصبح الوفاء عملة نادرة. ليس الوفاء فقط بين قلبين، بل بين إنسان ووطن، بين صديق وصديقه، بين إعلامي وكلمته، بين موظف وأمانته، بين أب ومسؤوليته، وبين إنسانة وحلمها الذي لم تتخلَّ عنه رغم العثرات. الإخلاص هو أن تبقى ثابتًا حين تتغير الظروف، وأن تتمسك بقيمك حين يصبح التنازل أسهل الطرق.
عيد الحب، إذن، ليس يومًا للعاطفة العابرة، بل مساحة لإعادة اكتشاف المعنى الحقيقي للالتزام. فالمودة ليست شعورًا مؤقتًا، بل سلوكًا يوميًا. والرحمة ليست كلمة تُقال، بل قرار يُتخذ. والتسامح ليس ضعفًا، بل قوة داخلية تعكس نُبل الروح.
في عالم تتسارع فيه العلاقات كما تتسارع الأخبار، نحتاج إلى إعادة الاعتبار لفكرة “الدوام”. أن يكون الإنسان وفيًا لوعوده، مخلصًا لمبادئه، صادقًا في عطائه، لا يبحث عن المقابل بقدر ما يبحث عن الرضا الداخلي. فالوفاء ليس التزامًا بالآخر فقط، بل التزام بالذات قبل كل شيء.
تحية لكل مخلص لم يُغره التصفيق، ولكل وفيّ لم تغيّره المصالح، ولكل قلب اختار أن يبقى نقيًا رغم قسوة الأيام. تحية لمن يجعلون من الحب سلوكًا، لا شعارًا… ومن الإخلاص منهجًا، لا مناسبة موسمية.
لعل أجمل ما يمكن أن نهديه في عيد الحب، ليس هدية تُشترى، بل عهد يُحترم.
أن نكون أوفياء في زمن التقلب، ومخلصين في زمن المجاملة، وصادقين في زمن الادعاء.
فالحب الحقيقي لا يُقاس بعدد القلوب المرسومة، بل بعدد المواقف التي ثبتنا فيها حين كان الثبات أصعب الاختيارات.