كتب_ محمد مخلوف
أصدرت الكاتبة غدي عبدالفتاح كتابين جديدين بعنوان «باب اللعنات» و«العنود» عن واحة الأدب للنشر والتوزيع والترجمة، وذلك ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين لعام 2026، المقام بمركز مصر للمعارض الدولية بالتجمع الخامس.
غدي عبدالفتاح كاتبة وإذاعية مواليد سنة 1995 درست الإعلام والصحافة.
اقتباس من باب اللعنات
كنت مولعًا بالقراءة، لا سيما كتب الفلسفة.. والدتي كانت تمتلك مكتبة كبيرة تضم كتبًا نادرة وثمينة للغاية, وقُلت لكم منذ البداية إن ما ستسمعونه الآن قد يُثير اشمئزاز بعضكم، وقد يبعث في نفوس آخرين شيئًا من الشفقة تجاهي…
أنا وأصدقائي لم نكن نؤمن بالأديان، لم نكن نُقِر بوجود الأنبياء، وكنا نطالع الكتب السماوية دون أن نقتنع بما تحويه, بطبيعة الحال، كنت أخفي عن والدتي وخالي هذه الحقيقة، وكذلك كان أصدقائي يخفونها عن أهلهم، خشية أن يتعرضوا للنبذ أو العقاب..
وحقًا، كما قد يخطر ببالكم: “تخشون أهلكم ولا تخشون الله”
لكن، ماذا نفعل؟ لقد نشأنا كما نشأ آباؤنا، لا كما أردنا نحن.
كانت الأيام تمر على نحو رتيب وممل، لا جديد فيها, حياة روتينية، وكل بضعة أيام كنا نلتقي في شقتي لنلهو، ونشرب، ونهرب بذلك من مشكلاتنا ومن عقدنا النفسية التي لازمتنا منذ الطفولة…
وفي ليلة من الليالي، كنت جالسًا على الأريكة في صالة منزلي، مقابلاً لمكتبة والدتي, كانت الساعة تشير إلى الثامنة مساءً، وفي يدي اليسرى كأس ويسكي، وفي اليمنى سيجارة محشوة بالحشيش.. وضعت الكأس جانبًا، وأمسكت بكتاب فلسفي لأطلع عليه، كان بعنوان ما وراء الأوهام للفيلسوف الألماني إريك فروم, كنت أقرأ على أنغام موسيقى عمر خيرت, وفجأة، سقط كتاب من المكتبة على الأرض, نهضت لأعيده إلى مكانه، لكن جذب انتباهي مظهره الغريب.
اقتباس من العنود
الساعة تجاوزت الثانية عشر بعد منتصف الليل، وكان السكون في الشارع لا تقطعه إلا زمجرة بعيدة من قطٍ أو نباح كلاب، كانت العنود تجلس على كرسي خشبي بجوار نافذتها، لم يكن في الغرفة سوى ضوء خافت يتسلل من مصباح عتيق استقر فوق مكتبها، ودفتر مفتوح، نصف صفحاته فارغة، وكأن الكلمات ترفض النزول إليه..
وبعد قليل، أشعلت سيجارةً ومدت يدها لتلامس فنجال القهوة الذي فقد دفئه منذ نصف ساعة تقريباً.. ارتشفت منه رغم برودته، ثم استندت بظهرها، وأغمضت عينيها للحظة.
منذ شهرٍ تقريبًا، وهي تستيقظ في الثالثة فجرًا، التوقيت ذاته، من دون منبه، ومن دون سبب واضح, تفتح عينيها على ضيقٍ في صدرها، ونبضٍ متسارع، كأن شيئًا ما معها في الغرفة ولا تراه.
نهضت العنود بتثاقل، فراحت تخطو ببطء إلى الخزانة في الزاوية بحثًا عن غطاءٍ إضافي، وفي لحظةٍ، لمحت انعكاسها في المرآة, وتجمدت مكانها مما رأت.
ظلت تنظر، شيء ما لم يكن على ما يرام, وجهها بدا باهتًا, مُخيفًا، لكن, لم تكن تلك المشكلة، عيناها، لم تكن تنظران إليها، كان الانعكاس لأسباب غير مفهومة ينظر جانبًا، كأن هناك أحدًا يقف بجانبها، بينما لا يوجد في الغرفة أحد سواها.
ابتلعت ريقها واقتربت من المرآة وهي خائفة، ونظرت في عيني انعكاسها.
هل تهلوس؟ هل تعبها النفسي بلغ هذه الدرجة؟
رفعت يدها اليمنى لتلمس خدها، فرفعت الصورة يدها اليسرى، ولكنها لاحظت أن حركة يدها كانت أبطأ من حركتها، كأن الانعكاس تأخر لحظة عن اللحاق بها.