بدأ البرلمان المصري فصلًا تشريعيًا جديدًا، برسالة قوية من القيادة السياسية بدعم وتمكين المرأة، بداية من تعيين الرئيس عبد الفتاح السيسي لـ14 سيدة، فضلًا عن قيادة ثلاث نائبات لمنصة مجلس النواب في جلسته الافتتاحية.
وعلى جانب آخر، كانت تنتظر نساء مصر من البرلمان الجديد علاج التشريعات الناقصة التي لم تكتمل في الفصول السابقة، خاصة أن الواقع الاجتماعي كشف عن فجوات تشريعية وإنسانية لم تعد تحتمل التأجيل، وعلى رأسها قانون الأحوال الشخصية، ومواجهة العنف الأسري، والحماية من مخاطر التكنولوجيا، وهي ملفات متشابكة تمس جوهر الاستقرار الأسري والأمن المجتمعي والقومي للبلاد.
ويأتي قانون الأحوال الشخصية باعتباره القانون الأكثر إلحاحا الذي يمس الأسرة المصرية، ويختبئ خلفه حكايات بدموع النساء، فأصبح قانون الأحوال الشخصية بصيغته الحالية لم يعد يعكس طبيعة المجتمع ولا تحولات الأسرة، وما زال يتعامل مع الأسرة كوحدة جامدة، بينما الواقع أكثر تعقيدا ومرارة، إذ نجد نساء معيلات، ونزاعات ممتدة، وأطفالا عالقين بين محاكم لا ترى مصلحتهم أولا.
كل ذلك، مع طول أمد التقاضي وضياع العمر في انتظار المحاكم، فضلا عن غموض معايير الرؤية والاستضافة، وضعف ضمانات النفقة، حوّل القانون من أداة حماية إلى مصدر استنزاف نفسي واجتماعي.
وهنا نجد أن المطلوب ليس فقط تعديل مواد، بل إعادة صياغة فلسفة التشريع على أساس العدالة والإنصاف، ومصلحة الطفل باعتبارها أولوية مطلقة، لا بندا ثانويا.
وننتقل إلى مطلب آخر تحتاجه نساء مصر بشدة، في ظل التزايد المستمر في حالات العنف الأسري، التي وصلت إلى القتل والتعذيب الوحشي، حيث أصبح العنف الأسري ليس قضية فردية أو شأن خاص، بل جريمة مكتملة الأركان تهدد السلم الاجتماعي والأمن القومي.
وهنا لا تكمن المشكلة فقط في غياب الردع، بل في ثقافة تبرر العنف أو تتغاضى عنه باسم الحفاظ على الأسرة، إننا بحاجة إلى إطار قانوني واضح يجرم العنف الأسري بكافة أشكاله، سواء الجسدي أو النفسي، ويضمن آليات إبلاغ آمنة وحماية سريعة، لا شعارات موسمية في اليوم العالمي لمناهضة العنف.
كما يجب الاعتراف بأن الواقع الافتراضي الجديد دخل البيوت دون استئذان، ودخلت معه أنواع جديدة من العنف والابتزاز والتفكك، وأصبحت النساء عرضة لكافة أشكال الجرائم الإلكترونية، من ابتزاز وتشهير وغيرها، وللأسف، ما زالت التشريعات الحالية تتعامل مع الجرائم الإلكترونية بعقلية تقليدية، بينما تتطور الجرائم بسرعة هائلة في عصر الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، لذلك نحتاج إلى قوانين تحمي الخصوصية الرقمية، وتجرم الاستغلال الإلكتروني بوضوح، وتلزم المنصات بمسؤولياتها، إلى جانب برامج توعية حقيقية بتكاتف جميع مؤسسات الدولة.
إن نساء مصر تحتاج إلى تشريعات تواكب العصر وتحمي كرامتهن الإنسانية، وهذا هو الرهان الحقيقي للبرلمان الجديد لدعم وتمكين المرأة.