في قلب كل أسرة تكمن قصة غير مروية عن الحقوق بعضها يكتب بحبر العدل وبعضها الآخر يطمس بحجة “العادات والتقاليد”
ولعل أكثر هذه القصص إيلاما هي قصة ميراث المرأة
تلك القضية التي لا يزال صداها يتردد في مجتمعنا ليس لغموض في شريعة أو نقص في قانون بل لسطوة أعراف بالية ترى في حق المرأة تهديدا وفي العدل انتقاصا
إن حرمان الأنثى من نصيبها الذي فرضته السماء وأقره القانون هو جرح غائر في جسد الأسرة يبدأ صغيرا ثم يتسع ليقطع أواصر القربى ويورث العداوة بين الإخوة
هذا المقال ليس مجرد دفاع عن حق بل هو محاولة لإعادة الأمور إلى نصابها وفضح المغالطات التي ترتدي ثوب الحكمة وتقديم خارطة طريق لكل أب يريد أن يترك خلفه إرثا من العدل لا نزاعا على الميراث
الجريمة الصامتة التي ترتدي ثوب الشهامة
تبدأ المأساة غالبا بعبارات تبدو في ظاهرها حرصا وحماية:
“لن نخرج الأرض للغريب” “سنحافظ على اسم العائلة” “البنات لا يعرفن قيمة الأرض”
هذه ليست مجرد كلمات بل هي ستار أنيق تحاك خلفه جريمة صامتة
إنها جريمة الاستيلاء على حق ثابت وتحويله من نصيب شرعي إلى مجرد “مراضاة” أو مبلغ زهيد يلقى للمرأة كصدقة لا كحق أصيل
هذا الفعل الذي يصنفه البعض “خلافا عائليا” هو في ميزان القانون جريمة جنائية مكتملة الأركان
فالمشرع المصري إدراكا منه لخطورة هذه الظاهرة تدخل بقوة عبر القانون رقم 219 لسنة 2017 الذي أضاف المادة 49 إلى قانون المواريث
هذه المادة لم تأت لتقرر حقا جديدا بل أتت لتحمي حقا قائما بسلاح العقوبة
لقد أصبح “الامتناع العمدي” عن تسليم الميراث فعلا يستوجب الحبس والغرامة
وبهذا انتقل الأمر من نزاع مدني قد يطول لسنوات في أروقة المحاكم إلى جنحة لها قوة الردع الفوري
فليعلم كل من يماطل أو يتحايل أو يضغط على أنثى لتتنازل عن حقها أنه لم يعد في مواجهة نزاع عائلي بل في مواجهة نص قانوني صريح وعقوبة واجبة النفاذ
أشكال التحايل (حين يصبح القانون أداة للظلم والطغيان)
لا يكتفي بالاستيلاء المباشر بل يتفنن في استخدام القانون نفسه كأداة للتحايل
ومن صور ذلك التي تتكرر في ساحات القضاء: عقود البيع الصورية للأبناء الذكور
يلجأ بعض الآباء بضغط من الأبناء أو بجهل منهم إلى تحرير عقود بيع صورية لأبنائهم الذكور دون الإناث ظنا منهم أن هذا يؤمن مستقبلهم
هذا التصرف متى ثبت أنه تم في مرض الموت أو أنه يستر وصية تهدف لحرمان بقية الورثة يكون قابلا للإبطال قانونا
استغلال جهل المرأة بالقانون:
كثيرا ما يتم إقناع المرأة بالتوقيع على أوراق تنازل لا تدرك أبعادها القانونية أو يتم إيهامها بأن نصيبها أقل بكثير من حقيقته
هذا الاستغلال للجهل أو الحاجة هو نوع من التدليس الذي يبطل التصرفات ويجعلها هي والعدم سواء
المماطلة حتى اليأس: وهي الاستراتيجية الأكثر خبثا
حيث لا يتم إنكار الحق ولكن يتم تأجيل تسليمه عاما بعد عام بحجج لا تنتهي حتى تيأس صاحبة الحق وتضطر لقبول أي فتات يلقى إليها لتنهي سنوات من العذاب النفسي والمادي
وصية لأب لا يخشى الغد: كيف تبني حصنا يحمي بناتك؟
إن أفضل معركة هي تلك التي ننتصر فيها قبل أن تبدأ
والمعركة لحماية حقوق بناتك تبدأ في حياتك أنت بخطوات استباقية تقطع الطريق على أي نزاع مستقبلي
لا تترك مصيرهن للصدفة أو لحسن نوايا قد تتبدل بل كن أنت الحصن الذي يحتمين به وهذه وصيتي لك:
أولا : اجعل “الورق المسجل” سيد الموقف لا تترك ممتلكاتك رهينة العقود الابتدائية أو الاتفاقات الشفهية فهي بذور الشقاق الأولى
اذهب إلى الشهر العقاري وسجل كل ما تملك الوثيقة المسجلة ليست مجرد ورقة بل هي صك أمان يخرس كل لسان طامع ويجعل حق بناتك ثابتا كالجبال
ثانيا : امنحهن في حياتك ما يغنيهن عن السؤال بعد مماتك القانون والشريعة منحاك سبيلا لتأمين بناتك وأنت حي ترزق يمكنك أن تبيع لهن جزءا من مالك حتى لو كان بيعا صوريا يستر عطاء الأب وحنانه
هذا العقد متى كان في كامل صحتك وعافيتك هو تصرف قانوني حصين ورسالة واضحة للجميع بأن هذا المال قد أصبح ملكهن
ثالثا : لا تهمل سلاح الوصية لقد منحتك الشريعة فسحة من النور في حدود ثلث التركة
استخدم هذا الحق الشرعي والقانوني اكتب وصية موثقة توصي فيها بجزء من هذا الثلث لبناتك قد يكون هذا المبلغ هو طوق النجاة الذي ينقذهن من عوز أو استغلال في أصعب الأوقات
أخيرا اجعل المعرفة هي حارس الحق أكبر عدو للحق هو الجهل به لا تجعل الحديث عن الميراث من المحرمات اجلس مع أبنائك ذكورا وإناثا ووضح لهم الأنصبة الشرعية حين يعلم الابن أن نصيب أخته هو دين في عنقه أوجبه الله فإنك تزرع في ضميره رقيبا يمنعه من الظلم أبلغ من أي قانون
رسالة أخيرة.. العدل أساس بقاء الأسر
في نهاية المطاف حرمان المرأة من ميراثها ليس مجرد نزاع على المال بل هو هدم لأحد أركان العدالة الاجتماعية وتمزيق لأواصر القربى التي أمر الله بها
إنه يورث الأحقاد جيلا بعد جيل ويحول البيوت من سكينة ومودة إلى ساحات للنزاع
إن حماية هذا الحق تبدأ بوعي الآباء وتدعم بقوة القانون وتترسخ بثقافة مجتمعية تدرك أن العدل ليس تهديدا بل هو الضمان الوحيد لبقاء الأسر واستقرار المجتمعات
فحين نضمن للمرأة حقها الذي كفله لها الشرع والقانون فنحن لا نمنحها عطية بل نعيد للأسرة توازنها وللمجتمع تماسكه وللحق هيبته
